ابن بسام
323
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
كذا البحر يطفو عليه القذى * ويرسب في قعره الجوهر وكان لابن قاضي ميلة صديقان فتقاطعا وندما ، واتفق أن بنى أحدهما منزلا ، فقيل لصاحبه : لست تجد وقتا لمراجعة صديقك أحسن من تهنئتك له بهذه الدار الجديدة ، فركب إليه وهنأه ، وكان على صاحب المنزل قباء ديباج فيه صور طواويس ، فكرّر بصره فيها ذلك القاصد ، فقال له صاحبه : أتعجبك هذه [ 151 ] الصّور ؟ قال : أجل ، فوهب الثوب له صاحب المنزل ، فقال له القاصد : وأنا عندي طواويس حيّة تصلح لهذه الدار ، فلبّس صاحب المنزل القباء غلاما وسيما له اسمه نحرير ، كان صديقه يهواه ، وأهداه إليه ، وأخذ صديقه الطواويس وأهداها مع غلام له اسمه بديع كان صاحب المنزل أيضا يكلف به ، / فبلغ ذلك الأكحل تأييد الدولة [ 1 ] صاحب صقيلية [ 2 ] ، فأمر الشعراء بصفة ذلك ، فمن شعر ابن قاضي ميلة فيهما هنالك ، من جملة قصيدة : وللّه يومكما إذ أتاك * مبتهجا بتمام البناء فأنفذ في حضن نحريره * طواويس موشيّة في قباء فما جنّك الليل حتى بعثت * بديعا بكلّ بديع المكاء بأحسن متّخذ في البيوت * وأطرف مكتسب في القباء تقابلتما لاختلاف الصفات * ولولاهما لاختلاف الهواء ويعلي الذّنابى مدلا بها * على رأسه كانتصاب اللواء فتلحظ مرأى يروق العيون * ويقضي لواصفه بالغناء هدايا أقمتم لإيصالها * ظباء تجرّ ذيول البهاء وما عاين الناس من قبل ذا * طواويس [ فوق ] أكفّ الظباء ومنها : وعاين رجليه في معزل * من الحسن حلّ عقود البكاء فيهدم جلوته بعد ما * أقام بها محكمات البناء ومن سام بالنفس عين التمام * نازعه النقص حظّ النماء
--> [ 1 ] أحد أمراء صقلية من بني أبي الحسين الكلبيين ؛ انظر دوره في حكم الجزيرة في « العرب في صقلية » : 47 - 48 وصفحات متفرقة من المكتبة الصقلية . [ 2 ] هذا وجه من الوجوه التي يكتب بها هذا الاسم .